القاضي عبد الجبار الهمذاني
119
المغني في أبواب التوحيد والعدل
قيل لهم : أفيجوز أن نكلف نحن شريعته ، ولا نعلم أنها لا تنسخ ، وأنها لازمة أبدا ! فإن قالوا : نكلف ذلك ، وإن لم نعلم من حالها ما وصفنا فقد عاد ذلك إلى ما قدّمنا فساده ؛ لأنه يقال لهم : فمن أين أن شريعته الآن لازمة لنا ، على هذا القول ، وأنه لا بدّ من أن نعلمها ، ونعلم من حالها أنها لا تنسخ ؟ . وإذا كان طريقة معرفة ذلك أن نعرف الخبر الّذي ذكرتموه ، ونعرف قصده في ذلك ، فيجب أن يكون العلم الضروري بذلك قد حصل لنا ، حتى تكون الحجة فيه علينا قائمة ، وإلا أدّى ذلك إلى تكليف ما لا يطاق . وما لا سبيل إلى معرفته ، والفصل بينه وبين غيره . فإن قالوا : الحجة عليكم قائمة ، والعلم لكم حاصل ، فقد بينا أن « 1 » العلم ليس بحاصل لنا ، بما ذكرناه من قبل ، لأنه لو كان حاصلا لامتنع أن نعتقد نبوّة محمد ، صلى اللّه عليه ، وأن شريعته ناسخة . فان قالوا : يصح ، كما يصح منا أن نعتقد صحة هذا الخبر عن موسى عليه السلام ، وإن اعتقدنا أن من دين محمد ، أن شريعته ناسخة لشريعة موسى . قيل لهم : إنما يصح لكم ، لأنكم لم تعتقدوا في محمد عليه السلام ، أنه صادق ، وأنه لا يجوز أن يكون مبطلا في مذهبه ، فلا يمتنع أن تعتقدوا لذلك من مذهبه ، وإن اعتقدتم صحة ما نقلتموه عن موسى ، كما نعتقد في المذاهب الاعتقادات الصحيحة ، ويجتمع مع ذلك اعتقادنا في المخالفين أنهم يعتقدون ضدها وخلافها ، وأن ذلك مذهبهم ؛ وليس كذلك ما ذكرناه ، لأنا نعتقد صحة نبوّة محمد صلى اللّه
--> ( 1 ) في « ط » هذا العلم .